موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦ - نظرة سريعة لمضمون الكتاب
والاضطرابات السياسيّة في عصرنا الحاضر، ومع استمرار هذا الاقتصاد ودوامه، فإنّ العالم لا يعيش حالة الاستقرار والإزدهار أبداً، ويتجلّى في هذا المورد معنى الحديث الشريف:
«حبُّ الدّنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ».
٤. نحن نعتقد بأنّ الاقتصاد الإسلامي مقترن في هيكليته وأبعاده وتفاصيله بالمسائل الأخلاقيّة وقيم الفضيلة، حيث يشكل عنصر العدالة الأساس والمحور لهذا الاقتصاد وبالتالي يمكنه الخروج من هذه المآزق وكسر هذه الأطواق وإعادة الصلح والأمن إلى أجواء المجتمعات البشريّة بعيداً عن كلّ أشكال الاضطرابات وعدم الاستقرار في واقع الحياة.
وللأسف فإنّ الكثير من البلدان الإسلاميّة تركت تعاليم الإسلام في المسائل الاقتصاديّة وتحركت بصورة عمياء خلف المدارس والتيارات الاقتصاديّة الغربية الماديّة بكلّ ما في الكلمة من معنى، وبالتالي تعرضت دعائم اقتصاد هذه الدول الناشئة لضربات شديدة، ومن هذه الجهة عاشت التبعية الشديدة للبلدان الأجنبية، وهذه التبعية الاقتصاديّة، والتي تمتد في جذورها إلى التبعية الثقافيّة والسياسيّة، هي في الحقيقة نوع من العبوديّة للأجانب، وهذه الحالة تعد مصيبة كبيرة وجرح عميق وتحدٍّ سافر يواجه علماء الإسلام.
٥. إنّ النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على أصل أساسي وهو مواجهة الفقر، والطريق للوصول إلى هذا الهدف يكمن في مواجهة إكتناز الثروات من جهة، وتجسيد الزهد الإسلامي بمعنى الحياة البسيطة واجتناب الترف والمعيشة التجملية من جهة أخرى، والتصدي لكلّ أشكال الإسراف والتبذير من جهة ثالثة، والحركة الجادة والمبرمجة في مجال تحقيق العدالة وتقليل الفواصل الطبقيّة من جهة رابعة، وهذه هي الأصول التي لا يعترف بها الاقتصاد المادي في الغرب بل يتحرك في الخط المقابل لها ويسبغ على حالات الانحراف لباس القانون أيضاً.
٦. ومن خصوصيات الاقتصاد الإسلامي، هو أنّه لا يبيح كلّ نشاط اقتصادي على أساس من الحرية المطلقة وبدافع من «الربح الأكثر» و «الجهد الأقل»، وبأخذ الضرائب من المراكز الرسميّة للقمار والفحشاء وأمثالها فيما يضعها تحت حمايته ورعايته، وليس هو من قبيل الاقتصاد المغلق الذي يجعل جميع مصادر الإنتاج ومنابعه تحت اختيار الحكومة ويرى أنّ جميع أفراد المجتمع بمثابة العبيد للحكومة.
٧. إنّ القدرة الاقتصاديّة في الاقتصاد الإسلامي تتمحور حول مقولة خدمة المجتمع على أساس:
«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ»
وهذا ليس فقط لا يشكل عيباً للاقتصاد الإسلامي بل يعد افتخاراً له أيضاً، في حين أنّ إكتناز الأموال وتراكم الثروات المقترن بالبخل، يعتبر بحكم الآية الشريفة:
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»
عيباً كبيراً ومعصية موبقة، قد ورد الوعيد الإلهي بالعذاب الشديد عليها.