موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - ٧ التعادل في مستوى معيشة المجتمع
سألت الإمام الصادق عليه السلام عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير أله أن يأخذ من الزكاة، فقال:
«ياأبا محمّد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل؟»
قال: نعم، قال:
«كم يفضل؟»
قال:
لا أدري، فقال:
«إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة وإن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة»
، قال: قلت: فعليه في مال الزكاة تلزمه؟ قال عليه السلام:
«بلى»
، قال: قلت: كيف يَصْنَع؟ (يعني ما تعلق من الزكاة بماله) قال:
«يوسّع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم ويُبقى منها شيئاً يُناولُه غيرهم وما أخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس» [١].
وعبارة «حتّى يلحقهم بالناس» في عين كونها تدلّ على سعة صدر وكرامة الشريعة الإسلاميّة التي لا ترضى بالذلة والمهانة لأفراد المجتمع والمواطنين في المجتمع الإسلامي، تدلّ بوضوح على أنّ الإسلام يهتم كثيراً بإزالة الفوارق الطبقية بالمقدار الممكن ورفع مستوى الطبقة الضعيفة المحرومة وإيصالها إلى مستويات مقبولة من المعيشة الكريمة والحياة الطيبة.
والملفت للنظر أنّ المراد من «قوت السنة» في هذه الرواية ليست «مؤونة السنة» حتى يقال كيف يمكن أخذ الزكاة مع أنّه أضاف «نصف المؤونة»، بل المراد من القوت ما يسد جوع الإنسان، وأمّا المؤونة فتشمل سائر ما يحتاج إليه الإنسان في حياته مثل اللباس أيضاً، وعلى هذا الأساس فإنّ أغلب الأشخاص الذين كتبوا في مسألة زكاة الأموال استندوا إلى هذه الرواية.
وبعد أن ينقل المرحوم محمّدتقي المجلسى رحمه الله هذا الحديث يقول: «إنّ هذا الحديث وكذلك أحاديث كثيرة موثقة كالصحيح تدلّ على أنّه لا يلزم التضييق على العيال لأخذ الزكاة منهم فلا يقعوا في مشقة» [٢].
ويقول المرحوم السيد عبدالأعلى السبزواري في ذيل كلام صاحب العروة: «الثالث (من شرائط من يجوز دفع الزكاة اليه): أن لا يكون من تجب نفقته على المزكّي كالأبوين وإن علوا والأولاد ... فلا يجوز إعطاء زكاته إيّاهم للإنفاق، بل ولا للتوسعة على الأحوط وإن كان لا يبعد جوازه إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم»، ثمّ يقول بعد نقل الحديث المذكور: «ولا ريب في أنّ سياق مثل هذه الأخبار سياق الرأفة والاطمئنان والتوسعة على الامّة من ولي الزكاة ... خصوصاً إذا كان العيال من ذوي العفة والنجابة الذين يتحملون المشقات في حفظ شؤونهم وحيثياتهم الدينيّة، وبذلك يمكن أن يجمع بين الكلمات (الفقهاء) من قال بعدم الجواز، فيما إذا أمكن التوسعة بطريق شرعي آخر هو الغالب على أهل الزمان، ومن يقول: أي فيما إذ لا يمكن ذلك إلّا بالزكاة» [٣].
والنقطة الجديرة بالالتفات هنا والواردة في هذه الرواية في فقه الحديث، هي أنّ المراد من الزكاة في هذه الرواية زكاة مال التجارة التي يراها أكثر فقهاء
[١]. وسائل الشيعة، ج ٧، كتاب الزكاة، الباب ٨، أبواب المستحقين للزكاة، ح ٤.
[٢]. لوامع صاحبقراني، ج ٥، ص ٥٢٩.
[٣]. مهذب الأحكام، ج ١١، ص ٢٢٧.