موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - ٧ التعادل في مستوى معيشة المجتمع
مستحبة، ويراها بعضهم مثل صاحب الحدائق واجبة.
يقول المرحوم المحقق الهمداني رحمه الله في مصباح الفقيه: «والزكاة التي أثبتها (الإمام عليه السلام) في ماله هي زكاة المستحبّة التي لا محذور في الأمر بصرفها في التوسعة على عياله وإيصال شيء منه إلى غيرهم» [١].
ويقول المحدّث الشهير صاحب الحدائق: «أقول:
قوله عليه السلام: «إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت» لعل المراد به أنّه متى فضل هذا المقدار فإن يجزىء للقيام بكسوتهم وسائر ضرورياتهم مثلًا يجوز له تناول الزكاة، وإن كان أقل من ذلك فإنّه لا يقوم بمؤنة السنة فيجوز له أخذ الزكاة» [٢] ثمّ قال: «ولا يخفى ما في هذا الخبر من الدلالة الظاهرة على وجوب زكاة التجارة كما تقدّم في تلك الأخبار التي قدّمناها في أول المطلب الرابع: إلّاأنّه عليه السلام جعل مصرفها هنا في الوسعة على نفسه وعياله، لأنّه إذا جاز أخذها من الغير لذلك فبالأولى من نفسه، والظاهر أنّ الأمر باعطاء الغير من زكاة ماله في الخبر وغيره محمول على الاستحباب» [٣].
وعلى أيّة حال إنّ هذه النظريّة، وهي أنّ الحاكم الإسلامي يجب عليه السعي في الارتقاء بمستوى معيشة الناس وحفظ الشؤون الاجتماعيّة لهم، لا تختص بفقهاء الإماميّة وروايات أهل البيت عليهم السلام، بل من فقهاء أهل السنّة نرى فقيهاً معروفاً كالشيباني يصرح: « «على الإمام ان يتقي اللَّه في صرف الأموال الى المصارف، فلا يدع فقيراً إلّاأعطاه حقّه من الصدقات حتى يغنيه وعياله، إن احتاج بعض المسلمين، وليس في بيت المال من الصدقات شيء أعطى الإمام ما يحتاج إليه من بيت مال الخراج، ولا يكون ذلك ديناً على بيت المال الصدقة، لما بيّنا أنّ الخراج ما من معناه مصرف إلى حاجة المسلمين» [٤].
ولعل أبلغ من رواية أبي بصير في هذا المجال موثقة إسماعيل بن عبدالعزيز نقلًا عن أبيه قال: دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) فقال له أبوبصير: إنّ لنا صديق هو رجل صدوق يدين اللَّه بما ندين به، فقال عليه السلام: من هذا ياأبامحمّد الذي تزكيه؟ فقال: العباس بن الوليد بن صبيح، فقال: رحم اللَّه الوليد بن صبيح ما له ياأبا محمّد؟ فقال: جعلت فداك له دار تسوى أربعة آلاف درهم وله جارية وله غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال عليه السلام:
«نعم»
، قال: وله هذه الفروض؟
فقال عليه السلام:
«يا أبامحمّد أفتأمرني أن آمره أن يبيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه أو يبيع جاريته الّتي تقيه الحرّ والبرد وتصون وجهه ووجه عياله أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته بل يأخذ الزكاة وهي له حلال ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله» [٥].
ومضافاً إلى الروايتين عن أبيبصير وإسماعيل بن
[١]. مصباح الفقيه، ج ١٣، ص ٤٩٣.
[٢]. الحدائق الناضرة، ج ١٢، ص ١٥٨.
[٣]. المصدر السابق.
[٤]. انظر: المبسوط للسرخسي، ج ٢، كتاب زكاة: نص كلام الشيباني.
[٥]. الكافي، ج ٣، ص ٥٦٢، ح ١٠.