موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - ٧ التعادل في مستوى معيشة المجتمع
اعمر وأصلح النهر)
. وفي ختام الكتاب كتب:
«فلعمري لأن يعمروا أحب الينامن أن يخرجوا وأن يعجزوا أو يقصروا في واجب من صلاح البلاد» [١].
٧. التعادل في مستوى معيشة المجتمع
ومن جملة أهداف النظام الاقتصادي في الإسلام، إقامة العدالة الاجتماعيّة ورفع مستوى معيشة الطبقات المحرومة والارتقاء بها إلى مستوى سقف معيشة الطبقة المتوسطة الغالبية في المجتمع.
والإسلام في ذات الوقت الذي يقرّ فيه من جهة بالفوارق الفكريّة والقابليات الذاتيّة للأفراد ويعتبرها دخيلة ومؤثرة في ظهور الاختلافات الماليّة والطبقات الاقتصاديّة في فضاء المجتمع (خلافاً لأتباع التفسير المادي للتاريخ، من الماركسيين، الذين يرون أنّ العوامل الاقتصاديّة فقط هي المؤثرة في تشكل هذه الطبقات) ومن جهة أخرى فإنّ الإسلام يرى أنّ عنصر العمل وسعي الأفراد في جمع الثروات واكتساب المال، وبالتالي وجود وظهور الاختلافات والتنوع في رؤوس المال والثروة، تأثيراً جدّياً ولكنّه في ذات الوقت ومع الالتفات إلى هاتين الحقيقتين، فإنّ مسألة تمتع جميع أفراد المجتمع بحياة مقبولة ومناسبة، أمر ممكن.
يقول المرحوم الشهيد الصدر قدس سره بعد الإشارة إلى هاتين الحقيقتين المذكورتين:
«إنّ نتيجة الإيمان بهاتين الحقيقتين هي السماح بظهور التفاوت بين الأفراد في الثروة فإذا افترضنا جماعة استوطنوا أرضاً وعمروها وانشأوا عليها مجتمعاً، وأقاموا علاقاتهم على أساس: أنّ العمل مصدر الملكيّة، ولم يمارس أحدهم أي لو من ألوان الاستغلال للآخر، فسوف نجد أنّ هؤلاء يختلفون بعد برهة من الزمن في ثرواتهم، تبعاً لاختلافهم في الخصائص الفكريّة والروحيّة والجسديّة، هذا التفاوت يقرّه الإسلام» [٢].
ثم يقول: «والتوازن في مستوى المعيشة معناه أن يكون بحال وجوده لدى أفراد المجتمع متداولًا بينهم، إلى درجة تتيح لكلّ فرد العيش في المستوى العام» [٣].
ثم يضيف: «إنّ الإسلام لا يرى إيجاد هذه الحالة من التوازن في لحظة، وإنّما يعني: جعل التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة، هدفاً تسعى الدولة في حدود صلاحياتها إلى تحقيق والوصول إليه، بمختلف الطرق والأساليب المشروعة التي تدخل ضمن صلاحياتها، وقد قام الإسلام من ناحيته بالعمل لتحقيق هذا الهدف بالضغط على مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الإسراف، وبالضغط على المستوى من الأسفل بالارتفاع بالأفراد الذين يحيون مستوى منخفظاً من المعيشة إلى مستوى أرفع، وبذلك تتقارب المستويات حتى تندمج أخيراً في مستوى واحد» [٤].
وهذه المسألة من المتطلبات والأهداف الإنسانيّة الراقية وقد وردت في رواية عن أبي بصير أنّه قال:
[١]. تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٢٠٣.
[٢]. انظر: اقتصادنا، ص ٦٧٣.
[٣]. المصدر السابق.
[٤]. المصدر السابق.