المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧ - الفصل الأول فى طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لذوى الأمراض و العاهات
الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها [١]. زاد الطبرانى: و إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج.
و لم يكن- صلى اللّه عليه و سلم- يخص يوما من الأيام بعيادة المريض، و لا وقتا من الأوقات، فترك العيادة يوم السبت المخالفة للسنة، ابتدعه يهودى طبيب لملك قد مرض و ألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضى لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، و من سفك دمه، فقال: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك، و صار كثير من الناس يعتمده، و من الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوى: أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا.
و فى الصيف نهارا، و لعل الحكمة فى ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل فى الشتاء، و بطول النهار فى الصيف، فتحصل له بالعيادة استراحة.
و ينبغى اجتناب التطبب بأعداء الدين، من يهودى أو نحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرا فى دينه أو علمه، خصوصا إن كان هذا العدو يهوديّا، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه، و أن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، و لا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل فى عموم النهى فيمن قتل نفسه بشيء. و قد كثر الضرر فى هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم، و اللّه تعالى يرحم القائل:
لعن النصارى و اليهود فإنهم * * * بلغوا بمكرهم بنا الآمالا
خرجوا أطباء و حسابا لكى * * * يتقسموا الأرواح و الأموالا [٢]
و مما كان يفعله- صلى اللّه عليه و سلم- و يأمر به تطييب نفوس المرضى و تقوية قلوبهم،
[١] صحيح: أخرجه أحمد فى «المسند» (٣/ ٤٦٠)، و هو عنده أيضا (٣/ ٣٠٤)، و ابن حبان فى «صحيحه» (٢٩٥٦) من حديث جابر- رضى اللّه عنه- بنحوه و قال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[٢] قلت: رحم اللّه المسلمين الآن، فأين هم من هذه النصائح، و للأسف نجد من بيننا الآن من يدافع عنهم و عن عقائدهم الباطلة و يقربهم إلينا، و يقولون: إن العلم ليس له دين و لا وطن، و قد كذبوا فى قولهم، و لو فاقوا إلى أنفسهم لعرفوا الحق الذي لا مرية فيه.