المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- للرمد
و سببه: انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم [١] أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة [٢] و المنخرين أحدث الخنان- بالخاء المعجمة و النون-، أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة [٣]، و إن لم ينحدر و طلب نفاذا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم. و روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يعالج الرمد بالسكون و الدعة و ترك الحركة.
و فى سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و بين يديه خبز و تمر فقال: «ادن و كل»، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: «تأكل تمرا و بك رمد؟» فقلت: يا رسول اللّه، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- [٤]. و قد روى أنه حمى عليّا من الرطب لما أصابه الرمد.
و فى البخاري من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «الكمأة من المن و ماؤها شفاء للعين» [٥]. و الكمأة: نبات لا ورق لها و لا ساق، يوجد فى الأرض من غير أن يزرع. و روى الطبرانى من طريق المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فامتنع قوم من أكلها و قالوا: هو جدرى الأرض، فبلغه ذلك فقال: «إن الكمأة ليست جدرى الأرض، ألا إن الكمأة من المن» [٦]. و اختلف فى قوله: «من
[١] يقصد: الأنف.
[٢] اللهاة: اللحمة التي فى أقصى الحلق.
[٣] الشوصة: وجع فى البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع. (النهاية فى غريب الحديث) مادة (شوص).
[٤] حسن: أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣) فى الطب، باب: الحمية، و قال البوصيرى فى «الزوائد»: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
[٥] صحيح: أخرجه البخاري (٤٤٧٨) فى التفسير، باب: و قوله تعالى: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى، و مسلم (٢٠٤٩) فى الأشربة، باب: فضل الكمأة و مداواة العين بها.
[٦] قلت: هو عند الترمذى (٢٠٦٨) بنحوه فى الطب، باب: ما جاء فى الكمأة و العجوة، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و قال الترمذى: هذا حديث حسن، و هو كما قال.