المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٢ - ذكر حمية المريض من الماء
و إنما منعه- صلى اللّه عليه و سلم- من أكله من الدوالى لأن فى الفاكهة نوع ثقل على المعدة، و لم يمنعه من السلق و الشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففى ماء الشعير التغذية و التلطيف و التليين و تقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء، لكى يمتنع تزايده و انتشاره.
قال ابن القيم: و مما ينبغى أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل و الناقه و الصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، و مالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة و المعدة يتلقيانه بالقبول و المحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، و قد يكون أنفع من تناوله ما تكرهه الطبيعة و تدفعه من الدواء. و لهذا أقر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- صهيبا و هو أرمد على تناول التمرات اليسيرة و علم أنها لا تضره. ففى هذا الحديث- يعنى حديث صهيب- سر طبى لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق و كان فيه ضرر ما، كان أنفع و أقل ضررا مما لا يشتهيه عن جوع صادق و إن كان نافعا فى نفسه. فإن صدق شهوته و محبة الطبيعة له تدفع ضرره، و كذلك بالعكس.
ذكر حمية المريض من الماء:
عن قتادة بن النعمان أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «إذا أحب اللّه العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء» [١]. قال الترمذى حديث حسن غريب.
و روى الحميدى مرفوعا: «لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم».
و للطبرانى فى الأوسط عن أبى سعيد مرفوعا: «من شرب الماء على الريق انتقصت قوته» و فيه محمد بن مخلد الرعينى، و هو ضعيف.
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٢٠٣٦) فى الطب، باب: ما جاء فى الحمية، و الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٣٤٤) و قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و هو كما قال.