المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٨٦ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من السم الذي أصابه بخيبر
الحديث صريح فى الدلالة لمذهب الشافعى و موافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، و كذا للقمل و ما فى معنى ذلك.
و قال مالك: لا يجوز، و هذا الحديث حجة عليه، انتهى. و تعقب قوله: «لما فيه من البرودة» بأن الحرير حار. و الصواب: أن الحكمة فيه إنما هى لخاصية فيه تدفع الحكة و القمل.
و قال ابن القيم: و إذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة فى مزاجه، مسخنا للبدن، و ربما برد البدن بتسمينه إياه. و قال الرازى: الإبريسم أسخن من الكتان و أبرد من القطن، يربى اللحم، و كل لباس خشن فإنه يهزل و يصلب البشرة، فملابس الأوبار و الأصواف تسخن و تدفئ و ملابس الكتان و الحرير و القطن تدفئ و لا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، و ثياب الصوف حارة يابسة، و ثياب القطن معتدلة الحرارة، و ثياب الحرير ألين من ثياب القطن و أقل حرارة منه، و لما كانت ثياب الحرير ليس فيها من اليبس و الخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة، لأن الحكة- كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة و يبس و خشونة، فلذلك رخص- صلى اللّه عليه و سلم- لهما فى الحرير لمداواة الحكة.
ذكر طبه صلى اللّه عليه و سلم- من السم الذي أصابه بخيبر:
تقدم فى غزوتها قصة اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة، و قد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- شاة مصلية بخيبر، فقال: «ما هذه؟» قالت: هدية، و حذرت أن تقول صدقة فلا يأكل. فأكل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و أكل أصحابه، ثم قال: «أمسكوا» ثم قال للمرأة: «هل سميت هذا الشاة؟» قالت من أخبرك؟ قال: «هذا العظم، لساقها» و هو فى يده، قالت: نعم قال:
«لم؟» قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك الناس، و إن كنت نبيّا لم يضرك. قال: فاحتجم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ثلاثا على كاهله [١].
[١] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٤/ ٢٦٠- ٢٦١) من هذا الطريق، و هى فى «صحيح البخاري» (٣١٦٩) فى الجزية و الموادعة، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، بسياق آخر.