المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٧٩ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من الطاعون
و فى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، و على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» [١]. و قد ذكر العلماء فى النهى عن الخروج حكما:
منها: أن الطاعون: فى الغالب يكون عاما فى البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار، لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل.
و منها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره ضائع المصلحة، لفقد من يتعهده حيّا و ميتا. و أيضا: لو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان فى ذلك كسر قلوب الضعفاء، و قد قالوا: إن حكمة الوعيد فى الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، و إدخال الرعب عليه بخلافه.
و قد جمع الغزالى بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب و الرئة فيؤثر فى الباطن و لا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير فى الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع فيه لا يخلص غالبا مما استحكم به، و ينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء فى الخروج لبقى المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
و منها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها و تصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج لهذه النكتة.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٤٧٣) فى أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، و مسلم (٢٢١٨) فى السلام، باب: الطاعون و الطيرة و الكهانة و نحوها.