المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٧٩ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
لمسبباتها، و أن الأعمال الصالحة من توفيق اللّه تعالى و منته و صدقته على عبده أن أعانه عليها و وفقه لها، و خلق فيه إرادتها و القدرة عليها، و حببها إليه و زينها فى قلبه، و كره إليه أضدادها، و مع هذا فليست ثمنا لجزائه و ثوابه، بل غايتها أن تكون شكرا له تعالى أن قبلها سبحانه، و لهذا نفى- صلى اللّه عليه و سلم- دخول الجنة بالعمل ردّا على القدرية القائلين بأن الجزاء بمحض الأعمال و ثمنا لها، و أثبت سبحانه و تعالى دخول الجنة بالعمل ردّا على الجبرية الذين لم يجعلوا للأعمال ارتباطا بالجزاء. فتبين أنه لا تنافى بينهما، إذ توارد النفى و الإثبات ليس على معنى واحد، فالمنفى استحقاقها بمجرد الأعمال، و كون الأعمال ثمنا و عوضا لها ردّا على القدرية، و المثبت الدخول بسبب العمل ردّا على الجبرية، و اللّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
و قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو، عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولا. و إذا كان كذلك فأمر القبول إلى اللّه تعالى، و إنما يحصل برحمة اللّه لمن يقبل منه، و على هذا: فمعنى قوله ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١] أى تعملونه من العمل المقبول، و لا يضر مع هذا أن تكون «الباء» للمصاحبة أو للإلصاق أو للمقابلة، و لا يلزم من ذلك أن تكون سببية.
قال: ثم رأيت النووى جزم بأن ظاهر الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، و الجمع بينها و بين الحديث: أن التوفيق للأعمال و الهداية للإخلاص فيها. و قبولها إنما هو برحمة اللّه و فضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، و هو مراد الحديث، و يصح أنه دخل بسبب العمل، و هو من رحمة اللّه تعالى. انتهى.
و روى الدّارقطني عن أبى أمامة، أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «نعم الرجل أنا لشرار أمتى، فقالوا: فكيف أنت لخيارها؟ فقال: أما خيارها
[١] سورة النحل: ٣٢.