المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٧٦ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
أى فهذه أربع»، و قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «من فضة آنيتهما و ما فيهما و جنتان من ذهب آنيتهما و ما فيهما». رواه الشيخان من حديث أبى موسى الأشعرى.
و قد قسم بعضهم الجنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة:
اختصاص إلهى و هى التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، و من أهلها أهل الفترات، و من لم تصل إليه دعوة رسول.
و الجنة الثانية: جنة ميراث، ينالها كل من دخل الجنة من المؤمنين، و هى الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها.
و الجنة الثالثة: جنة الأعمال، و هى التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره فى وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر. و سواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أن فضله فى هذا المقام لهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلا و له جنة، و يقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضى أحوالهم. قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «يا بلال، بم سبقتنى إلى الجنة» الحديث، فعلم أنها كانت جنة مخصوصة، فما من فريضة و لا نافلة و لا فعل خير و لا ترك محرم إلا و له جنة مخصوصة و نعيم خاص، يناله من دخلها، و قد يجمع الواحد من الناس فى الزمان الواحد أعمالا من العبادات فيؤجر فى الزمان الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس له ذلك.
فقد تبين أن نيل المنازل و الدرجات فى الجنات بالأعمال، و أما الدخول فلا يكون إلا برحمة اللّه تعالى، كما فى البخاري و مسلم من حديث عائشة، أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: و لا أنت يا رسول اللّه؟ قال: و لا أنا إلا أن يتغمدنى اللّه برحمته» [١] أى يلبسنيها و يسترنى بها، مأخوذ من غمد السيف و هو غلافه.
و عند الإمام أحمد، بإسناد حسن، من حديث أبى سعيد الخدرى: «لن
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٧٣) فى المرض، باب: تمنى المريض الموت، و مسلم (٢٨١٦) فى صفة القيامة و الجنة و النار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.