المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٦ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
فيكون الناس على قدر أعمالهم فى العرق» [١]. و هذا ظاهر فى أنهم يستوون فى وصول العرق إليهم و يتفاوتون فى حصوله فيهم.
فإن قلت: الشمس محلها السماء، و قد قال اللّه تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [٢] و الألف و اللام فى «السماء» للجنس، بدليل وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [٣] فما طريق الجمع؟
فالجواب: يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس فى المحشر ليقوى هوله و كربه، عافانا اللّه من كل مكروه.
و قال ابن أبى جمرة: ظاهر الحديث يقتضى تعميم الناس بذلك، و لكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض و هم الأكثر، و يستثنى الأنبياء و الشهداء و من شاء اللّه، فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم.
و أخرج أبو يعلى، و صححه ابن حبان عن أبى هريرة عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [٤] قال: مقداره نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون على المؤمنين كتدلى الشمس إلى أن تغرب [٥]. و أخرج أحمد و ابن حبان نحوه من حديث أبى سعيد.
و للبيهقى فى البعث عن أبى هريرة: «يحشر الناس قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فيلجمهم العرق من شدة الكرب» [٦].
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٨٦٤) فى الجنة و صفتها، باب: فى صفة يوم القيامة. من حديث المقداد بن الأسود- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة الأنبياء: ١٠٤.
[٣] سورة الزمر: ٦٧.
[٤] سورة المطففين: ٦.
[٥] أصله فى مسلم (٩٨٧) فى الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٦] أخرجه البيهقي فى «البعث و النشور» (ص ٣٣٩).