المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٨ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
و قال أبو العباس القرطبى صاحب «المفهم»: الصحيح أنه لم يأت فى تعيينهم خبر صحيح، و الكل محتمل. و تعقبه تلميذه فى «التذكرة» فقال: قد ورد فى حديث أبى هريرة بأنهم الشهداء و هو صحيح. و عن أبى هريرة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- سأل جبريل عن هذه الآية: «من الذين لم يشأ اللّه أن يصعقوا؟» قال: هم شهداء اللّه [١]. و صححه الحاكم.
و قيل: هم حملة العرش و جبريل و ميكائيل و ملك الموت، ثم يموتون، و آخرهم ملك الموت، و قيل هم الحور العين و الولدان فى الجنة.
و تعقب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات و الأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، و بأن جبريل و ميكائيل و ملك الموت من الصافين المسبحين، و لأن الحور العين و الولدان فى الجنة، و هى فوق السماوات و دون العرش، و هى بانفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلقه اللّه للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأن اللّه تعالى يميت حملة العرش و ملك الموت و ميكائيل ثم يحييهم. و أما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، و الأظهر أنها دار خلود، فالذى يدخلها لا يموت فيها أبدا، مع كونه قابلا للموت، فالذى خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدا.
فإن قلت: قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٢] يدل على أن الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، و يموت الحور العين ثم يحيون.
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ [٣] أى أنه قابل للهلاك، فيهلك إن أراد اللّه به ذلك، إلا هو سبحانه فإنه قديم، و القديم لا يمكن أن يفنى، انتهى ملخصا من تذكرة القرطبى.
و يؤيد القول بعدم موت الحور قولهن: نحن الخالدات فلا نموت، كما فى الحديث. و لا يقال: المراد من قولهن الخلود الكائن بعد القيامة، لأنه لا خصوصية فيه، و الأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، و اللّه أعلم.
[١] ذكره الحافظ فى «الفتح» (١١/ ٣٧١).
[٢] سورة القصص: ٨٨.
[٣] سورة القصص: ٨٨.