المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٨ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
وعده لشفاعته و شهادته و بلوغ قصده فى المحيا و الممات، و كم عسى تكون شدة المدينة و لأوائها، و إلى متى تستمر مشقتها و بلواها، لو تأملت يا هذا، لوجدت فى البلاد ما هو فى الشدة و شظف العيش مثلها أو أشق منها، و أهلها مقيمون فيها، و ربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، و قوى على الرحلة فلا يرتحل، و يؤثر وطنه مع إمكان الارتحال و القدرة على الانتقال.
على أن المدينة مع شظف العيش بها فى غالب الأحيان، قد وسع اللّه فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها ممن استوطنها و حسن فيها حاله، و تنعم بها باله دون سائر البلدان، فإن من اللّه على المرء بمثل ذلك هنالك، و إلا فالصبر للمؤمن أولى، فمن وفقه اللّه تعالى صبره فى إقامته بها و لو على أحر من الجمر، فيتجرع مرارة غصتها ليجتلى عروس منصتها، و يلقى نزرا من لأوائها ليوقى بذلك من مصائب الدنيا و بلائها.
و قد روى البخاري من حديث أبى هريرة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» [١] أى ينقبض و ينضم و يلتجئ، مع أنها أصل فى انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها فى جميع الأزمان، لحبه فى ساكنها- صلى اللّه عليه و سلم-، فأكرم بسكانها و لو قيل فى بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة بهذا الحبيب الجليل. فقد ثبت لهم حق الجوار و إن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عنهم اسم الجار، و قد عمم- صلى اللّه عليه و سلم- فى قوله: «ما زال جبريل يوصينى بالجار» [٢] و لم يخص جارا دون جار، و كل ما احتج به محتج من رمى بعض عوامهم السنية بالابتداع و ترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك فى شخص منهم فلا يترك إكرامه، و لا ينقص احترامه فإنه لا يخرج عن حكم الجار و لو جار، و لا يزول عنه شرف مساكنته فى الدار
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٨٧٦) فى الحج، باب: الإيمان يأرز إلى المدينة، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٦٠١٤) فى الأدب. باب: الوصاة بالجار، و مسلم (٢٦٢٤) فى البر و الصلة، باب: الوصية بالجار و الإحسان إليه. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.