المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٩ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرئ فى كل أموره، من بدء ظهوره- صلى اللّه عليه و سلم- إلى حين وفاته، فى الجاهلية و الإسلام. فمنها ما كان فى شأن أمه، و ما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم.
و مثل ذلك حليمة السعدية. و حتى الأتان، و حتى البقعة التي تجعل الأتان يدها عليها تخضر من حينها، و ما هو من ذلك كله معلوم.
و كان مشيه- صلى اللّه عليه و سلم- حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، و حيث وضع- صلى اللّه عليه و سلم- يده المباركة ظهر فى ذلك كله من الخيرات و البركات حسّا و معنى، كما هو منقول معروف.
و لما شاء صاحب القدرة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لا بدّ له من بيت، و لا بدّ له من منبر، و أنه بالضرورة يكثر تردده- صلى اللّه عليه و سلم- بين المنبر و البيت، فالحرمة التي أعطى غيرهما إذا كان من مسّة واحدة بمباشرته أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة و الخير، فكيف مع كثرة ترداده- صلى اللّه عليه و سلم- فى البقعة الواحدة مرارا فى اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، و هو أنها كانت من الجنة، و تعود إليها، و هى الآن منها، و للعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه فى هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا فى جنسها.
فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغى أن يكون ذلك للمدينة بكمالها، لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يطؤها بقدمه مرارا.
فالجواب: أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر- صلى اللّه عليه و سلم-، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال و تلك الفتن العظام. و أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة، و أن ما كان لها من الوباء و الحمى رفع عنها، و أنه بورك فى طعامها و شرابها و أشياء كثيرة، فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولا، بأن تردده- صلى اللّه عليه و سلم- فى المسجد نفسه أكثر مما فى المدينة نفسها، و تردده- صلى اللّه عليه و سلم- فيما بين المنبر و البيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، و القرب من تلك النسمة