المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٦ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و أما التوسل بعد خلقه فى مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به- صلى اللّه عليه و سلم- عند القحط و عدم الأمطار، و كذلك الاستغاثة به من الجوع و نحو ذلك مما ذكرته فى مقصد المعجزات و مقصد العبادات فى الاستسقاء، و من ذلك استغاثة ذوى العاهات به، و حسبك ما رواه النسائى و الترمذى عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضرير أتاه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: ادع اللّه يعافينى، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه و يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنى أسألك و أتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك فى حاجتى لتقضى، اللهم شفعه فىّ» [١] و صححه البيهقي، و زاد: فقام و قد أبصر.
و أما التوسل به- صلى اللّه عليه و سلم- بعد موته فى البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء و فى كتاب «مصباح الظلام فى المستغيثين بخير الأنام» للشيخ أبى عبد اللّه بن النعمان طرف من ذلك.
و لقد كان حصل لى داء أعيا دواؤه الأطباء، و أقمت به سنين، فاستغثت به- صلى اللّه عليه و سلم- ليلة الثامن و العشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث و تسعين و ثمانمائة بمكة زادها اللّه شرفا، و منّ علىّ بالعود فى عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذ جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلانى من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوى، ثم استيقظت فلم أجد بى- و اللّه- شيئا مما كنت أجده، و حصل الشفاء ببركة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
و وقع لى أيضا فى سنة خمس و ثمانين و ثمانمائة فى طريق مكة، بعد رجوعى من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، و استمر بها أياما، فاستشفعت به- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذلك، فأتانى آت فى منامى، و معه الجنى الصارع لها فقال: لقد أرسله لك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فعاتبته و حلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت و ليس بها قلبة كأنما نشطت من عقال، و لا
[١] صحيح: و قد تقدم، إلا أن المقصود بالتوسل به هنا التوسل بدعائه، لا التوسل بذاته، و بينهما فرق.