المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٤ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
إذا ما حدا الحادى بأحمال يثرب * * * فليت المطايا فوق خدى تعبّق
ثم قال بعد أبيات:
فما عبق الريحان إلا و تربها * * * أجلّ من الريحان طيبا و أعبق
و له أيضا:
راحت ركائبهم تبدى روائحها * * * طيبا فيا طيب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبيّ المصطفى لهم * * * روض إذا نشروا من ذكره فاحا
و للّه در القائل:
فاح الصعيد بجسمه فكأنه * * * روض بنم يعرفه المتأرج
ما جسمه مما يغيره الثرى * * * و الروح منه كالصباح الأبلج
و قال ابن بطال فى قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «المدينة ينصع طيّبها» [١] هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق الأهل و التزام المخافة من العدو فلما باع نفسه و التزم هذا الأمر بأن صدقه و نصع إيمانه و قوى لاغتباطه بسكن المدينة و لقربه من رسوله، كما ينصع ريح الطيب فيها و يزيد عبقا على سائر البلاد، خصوصية خص اللّه بها بلدة رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- الذي اختار تربتها المباشرة جسده الطيب المطهر، و قد جاء فى الحديث «أن المؤمن يقبر فى التربة التي خلق منها» فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو- صلى اللّه عليه و سلم- أفضل البشر، فلهذا و اللّه أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان. انتهى.
و ينبغى للزائر أن يكثر من الدعاء و التضرع و الاستغاثة و التشفع و التوسل به- صلى اللّه عليه و سلم-، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه اللّه تعالى فيه.
و اعلم أن الاستغاثة هى طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٨٨٣) فى الحج، باب: المدينة تنفى الخبث، من حديث جابر بن عبد اللّه- رضى اللّه عنهما-.