المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٩٥ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
الحكاية كذب على مالك. و أن الوقوف عند القبر بدعة، قال: و لم يكن أحد من الصحابة يقف عنده و يدعو لنفسه، و لكن كانوا يستقبلون و يدعون فى مسجده- صلى اللّه عليه و سلم-. قال: و مالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك.
و ينبغى أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع و يلازم الأدب و الخشوع و التواضع، غاض البصر فى مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه فى حياته، و يستحضر علمه بوقوفه بين يديه و سماعه لسلامه، كما هو الحال فى حال حياته، إذ لا فرق بين موته و حياته فى مشاهدته لأمته و معرفته بأحوالهم و عزائمهم و خواطرهم، و ذلك عنده جلى لا خفاء به.
فإن قلت: هذه الصفات مختصة باللّه تعالى. فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال الأحياء غالبا، و قد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور فى مظنة ذلك من الكتب.
و قد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلا و يعرض على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أعمال أمته غدوة و عشية، فيعرفهم بسيماهم و أعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
و يمثل الزائر وجهه الكريم- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذهنه، و يحضر قلبه جلال رتبته، و علو منزلته، و عظيم حرمته، و إن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلا كأخى السرار، تعظيما لما عظم اللّه من شأنه.
و قد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة- رضى اللّه عنها-: أن اكشفى لى عن قبر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فكشفته فبكت حتى ماتت.
و حكى عن أبى الفضائل الحموى، أحد خدام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصا من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، و كان ممن شهد جنازته.
ثم يقول الزائر بحضور قلب، و غض بصر و صوت، و سكون جوارح و إطراق: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا نبى اللّه، السلام عليك