المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٧٢ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
تصيبه بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتى» [١]. و قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه و يقول: يا عبد اللّه، اتق اللّه، فإن فى رسول اللّه أسوة حسنة. و يعجبنى قول القائل:
اصبر لكل مصيبة و تجلد * * * و اعلم بأن المرء غير مخلد
و اصبر كما صبر الكرام فإنها * * * نوب تنوب اليوم تكشف فى غد
و إذا أتتك مصيبة تشجى بها * * * فاذكر مصابك بالنبى محمد
و يرحم اللّه القائل:
تذكرت لما فرق الدهر بيننا * * * فعزيت نفسى بالنبى محمد
و قلت لها إن المنايا سبيلنا * * * فمن لم يمت فى يومه مات فى غد
كادت الجمادات تتصدع من ألم فراقه- صلى اللّه عليه و سلم-، فكيف بقلوب المؤمنين؟
لما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه و صاح. كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى و قال: هذه خشبة تحن إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
و روى أن بلالا لما كان يؤذن بعد وفاته- صلى اللّه عليه و سلم-، و قبل دفنه، فإذا قال:
أشهد أن محمدا رسول اللّه، ارتج المسجد بالبكاء و النحيب. فلما دفن ترك بلال الأذان. ما أمرّ عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب.
لو ذاق طعم الفراق رضوى * * * لكان من وجده يميد
قد حملوني عذاب شوق * * * يعجز عن حمله الحديد
[١] صحيح: أخرجه ابن ماجه (١٥٩٩) فى الجنائز، باب: ما جاء فى الصبر على المصيبة.
من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-. و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه».