المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٩ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها [١].
و فى حديث ابن عمر عند ابن أبى شيبة أن أبا بكر مر بعمر و هو يقول:
ما مات رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و لا يموت حتى يقتل اللّه المنافقين. قال:
و كانوا أظهروا الاستبشار و رفعوا رءوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قد مات: أ لم تسمع اللّه تعالى يقول: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٢] و قال: وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [٣] ثم أتى المنبر. الحديث.
قال القرطبى أبو عبد اللّه المفسر: و فى هذا أدل دليل على شجاعة الصديق، فإن الشجاعة حدها: ثبوت القلب عند حلول المصائب، و لا مصيبة أعظم من موت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. فظهر عنده شجاعته و علمه. قال الناس: لم يمت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، و اضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية، فرجع عمر عن مقالته التي قالها.
كما ذكر الوائلى أبو نصر عبد اللّه فى كتاب «الإنابة» عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- فى مسجد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و استوى على منبره- صلى اللّه عليه و سلم-، تشهد ثم قال: أما بعد، فإنى قلت لكم أمس مقالة و إنها لم تكن كما قلت، و إنى و اللّه ما وجدت المقالة التي قلت لكم فى كتاب اللّه، و لا فى عهد عهده رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و لكنى كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى يدبرنا- أى يكون آخرنا موتا، أو كما قال- فاختار اللّه عز و جل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، و هذا الكتاب الذي هدى اللّه به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-.
قال أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها: هى أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لم يمت و لن يموت حتى يقطع أيدى و أرجل، و كان ذلك لعظيم ما ورد عليه
[١] تقدم.
[٢] سورة الزمر: ٣٠.
[٣] سورة الأنبياء: ٣٤.