المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٢ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و قال الشيخ أبو محمد المرجانى: تلك السكرات سكرات الطرب، أ لا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله و هو فى السياق: وا كرباه، ففتح عينيه و قال:
وا طرباه، غدا ألقى الأحبة محمدا و صحبه، فإذا كان هذا طربه و هو فى هذا الحال بلقاء محبوبه و هو النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و حزبه، فما بالك بلقاء النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لربه تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [١] و هذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه.
و فى حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب و القصب و الأنامل، فأعنى عليه و هونه على». و عند الإمام أحمد و الترمذى من طريق القاسم عنها قالت: و رأيته و عنده قدح فيه ماء و هو يموت، فيدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعنى على سكرات الموت» [٢].
و لما تغشاه الكرب، قالت فاطمة- رضى اللّه عنها-: و اكرب أبتاه، فقال لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» [٣]، رواه البخاري. قال الخطابى: زعم من لا يعد من أهل العلم: أن المراد بقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» أن كربه كان شفقة على أمته، لما علم من وقوع الاختلاف و الفتن بعده، و هذا ليس بشيء، لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، و الواقع أنها باقية إلى يوم القيامة، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده، و أعمالهم تعرض عليه، و إنما الكلام على ظاهره، و إن المراد بالكرب ما كان يجده- صلى اللّه عليه و سلم- من شدة الموت، و كان- صلى اللّه عليه و سلم- فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر، انتهى.
و روى ابن ماجه أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال لفاطمة: «إنه حضر من أبيك ما اللّه تعالى بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» [٤].
[١] سورة السجدة: ١٧.
[٢] تقدم.
[٣] تقدم.
[٤] حسن: أخرجه ابن ماجه (١٦٢٩)، فيما جاء فى الجنائز، باب: ذكر وفاته و دفنه. من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-، و قال الألبانى فى صحيح ابن ماجه: حسن صحيح.