المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦١ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يقول: «ما من نبى إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق» [١]، فكنت قد حفظت ذلك عنه، فإنى لمسندته إلى صدرى، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت:
فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع و نظر، فقلت: إذا و اللّه لا يختارنا، فقال: مع الرفيق الأعلى فى الجنة، مع الذين أنعم عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.
و فى البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و هو صحيح- يقول: «إنه لم يقبض نبى قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيّا أو يخير»، فلما اشتكى و حضره القبض و رأسه على فخذ عائشة غشى عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: «اللهم فى الرفيق الأعلى» [٢]. و نبه السهيلى على أنه النكتة فى الإتيان بهذه الكملة بالإفراد، الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. و فى صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمى على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و رأسه فى حجرى. فجعلت أمسحه و أدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: «أسأل اللّه الرفيق الأعلى مع جبريل و ميكائيل و إسرافيل» [٣].
و لما احتضر- صلى اللّه عليه و سلم-، اشتد به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، قالت: و كان عنده قدح من ماء، فيدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه بالماء و يقول: «اللهم أعنى على سكرات الموت» [٤]. و فى رواية: فجعل يقول: «لا إله إلا اللّه، إن للموت لسكرات» [٥].
قال بعض العلماء: فيه أن ذلك من شدة الآلام و الأوجاع لرفعة منزلته.
[١] تقدم.
[٢] تقدم.
[٣] تقدم.
[٤] تقدم.
[٥] تقدم.