المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٦٠ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
يخير» [١]. و لأحمد أيضا، من حديث أبى مويهة قال: قال لى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض و الخلد ثم الجنة، فخيرات بين ذلك و بين لقاء ربى فاخترت لقاء ربى و الجنة» [٢]. و عند عبد الرزاق من مرسل طاوس، رفعه: «خيرات بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتى، و بين التعجيل فاخترت التعجيل»، و فى رواية أبى بردة بن أبى موسى عن أبيه عند النسائى، و صححه ابن حبان: فقال اسأل اللّه الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل و ميكائيل و إسرافيل. و ظاهره: أن الرفيق الأعلى، المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، و قال ابن الأثير فى «النهاية» الرفيق: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، و قيل: المراد به اللّه تعالى، يقال: اللّه رفيق بعباده من الرفق و الرأفة، انتهى، و قيل: المراد حظيرة القدس.
و فى كتاب «روضة التعريف بالحب الشريف»: لما تجلى له الحق ضعفت العلائق بينه و بين المحسوسات و الحظوظ الضرورية من أوانى معانى الترقيات البشرية، فكانت أحواله فى زيادة الترقى، و لذلك روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «كل يوم لا أزداد فيه قربا من اللّه فلا بورك لى فى طلوع شمسه». و كلما فارق مقاما و اتصل بما هو أعلى منه لمح الأول بعين النقص، و سار على ظهر المحبة، و نعمت المطية لقطع هذه المراحل و المقامات و الأحوال، و السفر إلى حضرة ذى الجلال، و الاتصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه.
و قال السهيلى: الحكمة فى اختتام كلامه- صلى اللّه عليه و سلم- بهذه الكلمة، كونها تتضمن التوحيد و الذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامرا بالذكر. انتهى ملخصا.
قال الحافظ ابن رجب: و قد روى ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من الجنة ثم ردت إليه نفسه ثم خير. ففى المسند قالت- يعنى عائشة- كان
[١] أخرجه البخاري، و قد تقدم.
[٢] تقدم.