المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥١ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
الموت لأنى رأيت بياض كف عائشة فى الجنة». و خرجه ابن سعد و غيره مرسلا: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لقد رأيتها فى الجنة، حتى ليهون علىّ بذلك موتى، كأنى أرى كفيها»، يعنى عائشة.
فقد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يحب عائشة حبّا شديدا، حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه فى الجنة ليهون عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة، و قد سأله- صلى اللّه عليه و سلم- رجل فقال: «أى الناس أحب إليك؟» فقال:
«عائشة» فقال: من الرجال: قال: «أبوها» [١]، و لهذا قال لها فى ابتداء مرضه لما قالت: وا رأساه: «وددت أن ذلك كان و أنا حى فأصلى عليك و أدفنك» [٢] فعظم ذلك عليها، و ظنت أنه يحب فراقها، و إنما- صلى اللّه عليه و سلم- يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما.
و يروى أنه كان عنده- صلى اللّه عليه و سلم- فى مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها فى كفه فقال: «ما ظن محمد بربه لو لقى اللّه و عنده هذه؟» ثم تصدق بها كلها. رواه البيهقي.
انظر إذا كان هذا سيد المرسلين، و حبيب رب العالمين المغفور له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فكيف حال من لقى اللّه و عنده دماء المسلمين و أموالهم المحرمة، و ما ظنه بربه تعالى.
و فى البخاري من طريق عروة عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: دعا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فاطمة فى شكواه الذي قبض فيه، فسارّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارّها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارّنى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أنه يقبض فى وجعه الذي توفى فيه فبكيت، ثم سارّنى فأخبرنى أنى أول أهله يتبعه فضحكت [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٦٦٢) فى المناقب، باب: قول النبيّ لو كنت متخذا خليلا.
من حديث عمرو بن العاص- رضى اللّه عنه-.
[٢] تقدم.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٢٦٢٦) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام. من حديث عروة عن عائشة- رضى اللّه عنها-.