المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣٢ - النوع السابع من عبادته- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذكر نبذة من أدعيته و أذكاره و قراءته
و قوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» [١]. و قوله: «ما أذن اللّه لشيئ كإذنه لنبى حسن الصوت يتغنى القرآن» [٢]. أى ما استمع اللّه لشيئ كاستماعه لنبى يتغنى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن يأذن أذنا بالتحريك. علمت أن هذا الترجيع منه- صلى اللّه عليه و سلم- كان اختيارا، لا اضطرارا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلا تحت الاختيار، فلم يكن عبد اللّه بن مغافل يحكيه و يفعله اختيارا ليتأسى به و هو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: «كان يرجع فى قراءته» فنسب الترجيع إلى فعله، و لو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعا.
و قد استمع- صلى اللّه عليه و سلم- ليلة لقراءة أبى موسى الأشعرى، فلما أخبره بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا. أى حسنته و زينته بصوتى تزيينا. و هذا الحديث يرد على من قال: إن قوله «زينوا القرآن بأصواتكم» من باب القلب، أى: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: و يؤيد ذلك تأييدا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لكل شيء حلية، و حلية القرآن حسن الصوت» [٣]. و اللّه أعلم. و قد اختلف العلماء فى هذه المسألة اختلافا كثيرا يطول ذكره، و فصل النزاع فى ذلك أن يقال: إن التطريب و التغنى على وجهين.
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة و سمحت به من غير تكلف و لا تمرين و تعليم، بل إذا خلا فى ذلك و طبعه، و استرسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب و التلحين، فهذا جائز و إن أعانته طبيعته على فضل تزيين و تحسين، كما قال أبو موسى للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا،
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٧٥٢٧) فى التوحيد، باب: قول اللّه تعالى و أسروا قولكم أو اجهروا به. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٧٤٨٢) فى التوحيد، باب: قول اللّه تعالى و لا تنفع الشفاعة عنده ... من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٣] ضعيف: أخرجه عبد الرزاق فى الجامع، و الضياء عن أنس، كما فى «ضعيف الجامع» (٤٧٢٢).