المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٢٨ - النوع السابع من عبادته- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذكر نبذة من أدعيته و أذكاره و قراءته
دعوة» أى أفضل دعواته، و لهم دعوات أخرى، و قيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة فى أمته، إما بإهلاكهم، و إما بنجاتهم، و أما الدعوات الخاصة:
فمنها ما يستجاب و منها لا يستجاب. و قيل: لكل نبى منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [١] و قول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [٢]، و قول سليمان: رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إشارة إلى قوله: قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب.
و أما قول الكرمانى فى شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-؟ قلت: لكل نبى دعوة مستجابة، و إجابة الباقى فى مشيئة اللّه تعالى، فقال العينى: هذا السؤال لا يعجبنى، فإن فيه بشاعة، و أنا لا أشك أن جميع دعوات النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- مستجابة. و قوله: «لكل نبى دعوة مستجابة» لا ينفى ذلك، لأنه ليس بمحصور. انتهى. و لم ينقل أنه- صلى اللّه عليه و سلم- دعا بشيء فلم يستجب.
و فى هذا الحديث بيان فضيلة نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه و أهل بيته بدعوته المجابة، و لم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره،- صلوات اللّه و سلامه عليهم-.
و ظاهر الحديث يقتضى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أخر الدعاء و الشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو و يشفع، و يحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة و منفعتها، و أما طلبها فحصل من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى الدنيا حكاه صاحب مزيد الفتح.
و قد أمر اللّه النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بالترقى فى مراتب التوحيد بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [٣] فإنه ليس أمرا بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم بذلك،
[١] سورة نوح: ٢٦.
[٢] سورة مريم: ٥، ٦.
[٣] سورة محمد: ١٩.