المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥١٩ - النوع السابع من عبادته- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذكر نبذة من أدعيته و أذكاره و قراءته
و قد استشكل صدور هذه الأدعية و نحوها منه- صلى اللّه عليه و سلم- مع قوله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [١] و وجوب عصمته، و أجيب:
بأنه امتثل ما أمره اللّه به من تسبيحه و سؤاله المغفرة فى قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ [٢]. و يحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع و الاستكانة و الخضوع و الشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، و يحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته و للتشريع، و اللّه أعلم.
و كان- صلى اللّه عليه و سلم- عند الكرب- و هو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه و يحزنه و يغمه.- يدعو: «لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب السماوات و الأرضين و رب العرش العظيم» [٣] رواه البخاري. و فى رواية:
«لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و الأرضين و رب العرش الكريم».
قال الطيبى: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية، و منه التهليل المشتمل على التوحيد، و هو أصل التنزيهات الجلالية، و العظمة التي تدل على تمام القدرة، و الحلم الذي يدل على العلم.
إذ الجاهل لا يتصور منه حلم و لا كرم، و هما أصل الأوصاف الإكرامية.
انتهى. و كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا همه أمر رفع رأسه إلى السماء و قال: «سبحان اللّه العظيم». رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء. فالجواب: إن التعرض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره و حاجته، و تارة بذكر أوصاف السيد من وحدانيته و الثناء عليه. و قد قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد اللّه بن جدعان:
أ أذكر حاجتى أم قد كفانى * * * حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما * * * كفاه من تعرضك الثناء
[١] سورة الفتح: ٢.
[٢] سورة النصر: ١.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٤٥) فى الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.