المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٠٣ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
الناس به، و لها من القرب و الاختصاص ما ليس لغيرها، و لأن سياق جابر لحجته- صلى اللّه عليه و سلم- من أولها إلى آخرها أتم سياق، و أحفظ للقصة و ضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقرّ منها ما لا يتعلق بالمناسك، و هو نزوله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الطريق فبال عند الشعب و توضأ وضوءا خفيفا، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، و أيضا: فإن حجة الوداع كانت فى «آذار» و هو تساوى الليل و النهار، و قد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، و خطب بها الناس، و نحر بدنة و قسمها، و طبخ له من لحمها و أكل منه، و رمى الجمرة، و حلق رأسه و تطيب ثم أفاض، و طاف و شرب من ماء زمزم، و وقف عليهم و هم يسقون، و هذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضى فى مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر فى فصل آذار.
و رجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه فى حجته- صلى اللّه عليه و سلم- أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلى بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، و بأن حديث ابن عمر متفق عليه، و حديث جابر من إفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، فإن رواته أحفظ و أشهر، و بأن حديث عائشة قد اضطرب فى وقت طوافه، فروى عنها أنه طاف نهارا، و فى رواية عنها: أنه أخر الطواف إلى الليل، و فى رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة، و لا مكان الصلاة. و أيضا: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، و ابن إسحاق مختلف فى الاحتجاج به، و لم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد اللّه بن عمر، انتهى.
ثم رجع- صلى اللّه عليه و سلم- إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، و يقف عند الأولى و الثانية، فيطيل القيام و يتضرع، و يرمى الثالثة فلا يقف عندها [١].
رواه أبو داود من حديث عائشة. و عن ابن عمر- عند الترمذى-: كان
[١] أخرجه أبو داود (١٩٧٣) فى المناسك، باب: فى رمى الجمار. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-. قال الألبانى: صحيح إلا قوله حين صلى الظهر فهو منكر.