المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧٩ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
إلا مع المشى، و لم يقل أحد رملت به راحلته، و إنما قالوا: رمل، أى بنفسه.
و قال الشافعى: أما سعيه الذي طاف لمقدمه فعلى قدميه. انتهى.
و لما استلم- صلى اللّه عليه و سلم- الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثا و مشى أربعا.
و كان ابتداء الرمل فى عمرة القضية، لما قدم- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه مكة، و قد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، و لقوا منها شدة، فجلسوا مما يلى الحجر، و أمرهم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أن يرملوا ثلاثة أشواط، و يمشوا بين الركنين ليرى المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا و كذا [١]. رواه الشيخان و غيرهما من حديث ابن عباس.
و لما كان فى حجة الوداع رمل- صلى اللّه عليه و سلم- و أصحابه، فكان سنة مستقلة.
قال الطبرى: قد ثبت أنه- صلى اللّه عليه و سلم- رمل و لا مشرك يومئذ بمكة، يعنى فى حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها، فلا شيء عليه. انتهى. فلو ترك الرمل فى الثلاث لم يقضه فى الأربع، لأن هيئتها السكينة فلا تغير، و اللّه أعلم.
و لما فرغ- صلى اللّه عليه و سلم- من طوافه أتى المقام، فقرأ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [٢] فصلى ركعتين بينه و بين البيت، قرأ فيهما ب قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [٣] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [٤] ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [٥]، أبدأ بما بدأ اللّه به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١٢٦٦) فى الحج، باب: استحباب الرمل فى الطواف و العمرة، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٢] سورة البقرة: ١٢٥.
[٣] سورة الكافرون: ١.
[٤] سورة الإخلاص: ١.
[٥] سورة البقرة: ١٥٨.