المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٥١ - النوع الخامس فى ذكر اعتكافه- صلى اللّه عليه و سلم- و اجتهاده فى العشر الأخير من رمضان و تحريه ليلة القدر
و حاصله: قولان، و وجه، و اختار النووى فى الفتاوى و شرح المهذب رأى ابن خزيمة. و جزم ابن حبيب من المالكية، و نقله الجمهور، و حكاه صاحب «العدة» من الشافعية و رجحه: أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، و لم تكن فى الأمم قبلهم.
و هو معترض: بحديث أبى ذر عند النسائى، حيث قال فيه: قلت: يا رسول اللّه أ تكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قلت: بل هى باقية. و عمدتهم قول مالك فى «الموطأ» بلغنى أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر. و هذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح من حديث أبى ذر كما قاله الحافظان ابن كثير فى تفسيره و ابن حجر فى فتح البارى.
قال: و قد ظهر لليلة القدر علامات؛ منها: ما فى صحيح مسلم عن أبى بن كعب أن الشمس تطلع فى صبيحتها لا شعاع لها، و لابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعا: «ليلة القدر لا حارة و لا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة» [١]، و لأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أنها صافية، كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة صاحية، لا حر فيها و لا برد و لا يحل لكوكب يرمى به فيها، و إن من أماراتها أن الشمس فى صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها حينئذ [٢].
و روى البيهقي فى «فضائل الأوقات» أن المياه المالحة تعذب فى تلك الليلة [٣]. و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- يجتهد فى العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد فى غيره [٤]. رواه مسلم من حديث عائشة. و فى البخاري عنها: كان رسول
[١] أخرجه ابن خزيمة فى «صحيحه» (٢١٩٠) من حديث جابر، و لم أقف على رواية ابن عباس.
[٢] انظر «فتح البارى» لابن حجر (٤/ ٢٦٠).
[٣] ذكره الحافظ ابن حجر فى «المصدر السابق».
[٤] صحيح: أخرجه مسلم (١١٧٥) فى الاعتكاف، باب: الاجتهاد فى العشر الأواخر من شهر رمضان، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.