المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٤١ - الفصل الرابع فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عشر ذى الحجة
و استشكل بتحريم الصوم يوم العيد؟ و أجيب: بأنه محمول على الغالب، و اللّه أعلم. و يتأول قولها- يعنى عائشة-: «لم يصم العشر» أنه لم يصمه لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيه، و لا يلزم من ذلك عدم صيامه فى نفس الأمر، و يدل عليه حديث هنيدة بن خالد الذي ذكرته.
قال الحافظ ابن حجر: و قد وقع فى رواية القاسم بن أبى أيوب: «ما من عمل أزكى عند اللّه و لا أعظم أجرا من خير يعمله فى عشر الأضحى» [١]. و فى حديث جابر فى صحيحى أبى عوانة و ابن حبان «ما من أيام أفضل عند اللّه من أيام عشر ذى الحجة» [٢]. فقد ثبتت الفضيلة لأيام عشر ذى الحجة على غيرها من أيام السنة، و تظهر فائدة ذلك: فيمن نذر الصيام أو علق عملا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يوما منها تعين يوم عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعا بين الحديث السابق و بين حديث أبى هريرة مرفوعا: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» [٣]. رواه مسلم. أشار إلى ذلك النووى فى شرحه، و قال الداودى: لم يرد- صلى اللّه عليه و سلم- أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة، يعنى: فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، و تعقب: بأن المراد: كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان يوم الجمعة أم لا، و يوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة فى غيره لاجتماع الفضيلتين فيه. و الذي يظهر أن السبب فى امتياز عشر ذى الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادات فيه و هى الصلاة و الصيام و الصدقة و الحج، و لا يتأتى ذلك فى غيرها. و على هذا: هل يخص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال. انتهى.
[١] صحيح: أخرجه الدارمى (١٧٧٧٤) فى الصوم، باب: فى فضل العمل فى العشر، و أصله فى الصحيح. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٢] صحيح: أخرجه ابن حبان فى «صحيحه» (٣٨٥٣).
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٨٥٤) فى الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.