المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٩ - الفصل الثالث فى صيامه- صلى اللّه عليه و سلم- شعبان
على الصيام و اعتاده، و وجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم و لذته، فيدخل فى صيام رمضان بقوة و نشاط. و اعلم أنه لا تعارض بين هذا و بين النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، و كذا ما جاء فى النهى عن صوم نصف شعبان الثانى، فإن الجمع بينهما ظاهر، بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام فى صيام اعتاده.
و أجاب النووى عن كونه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يكثر الصوم فى المحرم، مع قوله:
«إن أفضل الصيام ما يقع فيه»، بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا فى آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم فى المحرم، أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم فيه.
و أما شهر رجب بخصوصه- و قد قال بعض الشافعية: إنه أفضل من سائر الشهور، و ضعفه النووى و غيره- فلم يعلم أنه صح أنه- صلى اللّه عليه و سلم- صامه، بل روى عنه من حديث ابن عباس، مما صح وقفه، أنه نهى عن صيامه، ذكره ابن ماجه لكن فى سنن أبى داود: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، و رجب أحدها. و فى حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال له: «صم من الحرم و اترك»، قالها ثلاثا [١].
و فى رواية مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب- و نحن يومئذ فى رجب- فقال: سمعت ابن عباس يقول:
كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، و يفطر حتى نقول لا يصوم [٢]. و الظاهر: أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهى عنه و لا ندب فيه بعينه، بل له حكم باقى الشهور.
[١] ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٤٢٨) فى الصوم، باب: فى صوم أشهر الحرم. من حديث عجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها. و الحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١١٤١) فى الجمعة، باب: قيام النبيّ بالليل من نومه و ما نسخ من قيام الليل، و مسلم (١١٥٨) فى الصيام، باب: صيام النبيّ فى غير رمضان. من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.