المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٨ - الفصل الثالث فى صيامه- صلى اللّه عليه و سلم- شعبان
لكن يعارضه ما رواه مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: «أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم» [١]. و الأولى فى ذلك ما جاء فى حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائى و أبو داود، و صححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول اللّه، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر يغافل الناس عنه بين رجب و رمضان، و هو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملى و أنا صائم» [٢].
فبين- صلى اللّه عليه و سلم- وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: «إنه شهر يغافل الناس عنه بين رجب و رمضان» يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام و شهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولا عنه، و كثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام و ليس كذلك.
و فى إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن يكون أخفى، و إخفاء النوافل و إسرارها أفضل، و لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد و ربه، و منها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بنى الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس و طاعتهم سهلت الطاعات، و إذا كثرت الغفلات و أهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم.
و قد روى فى صيامه- صلى اللّه عليه و سلم- شعبان معنى آخر، و هو أنه تنسخ فيه الآجال، فروى- بإسناد فيه ضعيف- عن عائشة قالت: كان أكثر صيام النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى شعبان فقلت: يا رسول اللّه، أرى أكثر صيامك فى شعبان؟ قال:
«إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت أسماء من يقبض، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمى إلا و أنا صائم» و قد روى مرسلا، و قيل إنه أصح.
و قد قيل فى صوم شعبان معنى آخر: و هو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، فلا يدخل فى صيامه على مشقة و كلفة، بل يكون قد تمرن
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١١٦١) فى الصيام، باب: فضل صوم المحرم، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، بلفظ أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللّه المحرم الحديث.
[٢] أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١) من حديث أسامة بن زيد- رضى اللّه عنهما-.