المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٥ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
أولها: أنه كان يصومه بمكة، و لا يأمر الناس بصيامه كما تقدم فى حديث عائشة عند الشيخين و غيرهما: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية و كان- صلى اللّه عليه و سلم- يصومه، فلما قدم المدينة صامه ...» الحديث.
الثانية: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لما قدم المدينة، و رأى صيام أهل الكتاب له، و تعظيمهم له، و كان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه و أمر الناس بصيامه، و أكد الأمر بصيامه و الحث عليه، حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم، كما تقدم فى حديث ابن عباس عند الشيخين و غيرهما.
الثالثة: أنه لما فرض صوم شهر رمضان ترك- صلى اللّه عليه و سلم- صيامه و قال: «إن عاشوراء يوم من أيام اللّه، فمن شاء صامه و من شاء تركه» [١] و يشهد له حديث عائشة السابق.
الحالة الرابعة: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- عزم فى آخر عمره أن لا يصومه مفردا، بل يضم إليه يوما آخر، مخالفة لأهل الكتاب فى صيامه، كما قدمناه.
و قد روى مسلم من حديث أبى قتادة مرفوعا: «أن صوم عاشوراء يكفر سنة و أن صيام يوم عرفة يكفر سنتين» [٢]. و ظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. و قد قيل: الحكمة فى ذلك أن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى و يوم عرفة منسوب إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فلذلك كان أفضل. و اللّه أعلم.
و أما ما ورى: من وسع على عياله فى يوم عاشوراء وسع اللّه عليه السنة كلها، فرواه الطبرانى و البيهقي فى «الشعب» و فى «فضائل الأوقات»، و أبو الشيخ عن ابن مسعود، و الأولان فقط عن أبى سعيد، و الثانى فقط فى الشعب عن جابر و أبى هريرة، و قال: إن أسانيده كلها ضعيفة، و لكن إذا ضم
[١] تقدم.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (١١٦٢) فى الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، و أبو داود (٢٤٢٥) فى الصوم، باب: فى صوم الدهر تطوعا. من حديث أبى قتادة- رضى اللّه عنه-.