المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٣ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
و أجاب المازرى: بأنه يحتمل أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أوحى إليه بصدقهم فيما قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك. قال القاضى عياض ردّا على المازرى: قد روى مسلم أن قريشا كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، و إنما هى صفة حال، و جواب سؤال، فقوله: «صامه» ليس فيه أن ابتداء صومه حينئذ، و لو كان هذا لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام و غيره. قال: و قد قال بعضهم يحتمل أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب منه فصامه، قال: و ما ذكرناه أولى بلفظ الحديث.
قال النووى: المختار قول المازرى، و مختصر ذلك أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان يصومه كما تصومه قريش فى مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضا بوحى أو تواتر أو اجتهاد، لا بمجرد إخبار آحادهم. انتهى.
و قال القرطبى: لعل قريشا كانوا يستندون فى صومه إليه شرع من مضى كإبراهيم، و صوم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كما فى الحج، و أذن اللّه له فى صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر و وجد اليهود يصومونه و سألهم و صامه و أمر بصيامه احتمل أن يكون استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، و يحتمل غير ذلك. و على كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، و كان ذلك فى الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه، و لا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة و اشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما فى حديث ابن عباس «إن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حين صام يوم عاشوراء و أمر بصيامه قالوا: يا رسول اللّه، إنه يوم تعظمه اليهود و النصارى، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-» [١].
[١] تقدم.