المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣١ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبّا دون ذلك الاستحباب، و الثانى: كان واجبا كقول أبى حنيفة. و تظهر فائدة الخلاف فى اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، و يقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، و لم يأمروا بقضائه بعد صومه. و أصحاب الشافعى يقولون: كان مستحبّا فصح بنية من النهار، و يتمسك أبو حنيفة بقوله: «أمر بصيامه» و الأمر للوجوب، و بقوله: «فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه و من شاء تركه». و يحتج الشافعية بقوله: «هذا يوم عاشوراء و لم يكتب اللّه عليكم صيامه»، و الشافعية يقولون أيضا: معنى قوله فى حديث سلمة: «فأمره أن يؤذن فى الناس من كان لم يصم فليصم الخ». أن من كان نوى الصوم فليتم صومه، و من كان لم ينو الصوم و لم يأكل أو أكل فليمسك بقية يومه لحرمة اليوم. و احتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن صوم الفرض يجب بنية فى النهار و لا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا فى النهار و أجزأهم. و أجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأن المراد إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، و الدليل على هذا: أنهم أكلوا ثم أمروا بالإتمام، و قد وافق أبو حنيفة و غيره على أن شرط إجزاء النية فى النهار فى الفرض و النفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل و غيره، انتهى.
و قال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، و بقول ابن مسعود الثابت فى مسلم: «لما فرض رمضان ترك عاشوراء» [١] مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه، و أما قول بعضهم: «المتروك تأكد استحبابه، و الباقى مطلق استمرار الاهتمام به حتى فى عام وفاته- صلى اللّه عليه و سلم- حيث قال:
«لئن عشت لأصومن التاسع و العاشر» و ترغيبه فى صومه و أنه يكفر السنة، فأى تأكيد أبلغ من هذا. انتهى.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٥٠٣) فى التفسير، باب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، و مسلم (١١٢٣) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.