المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٠ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
و من شاء تركه [١]. رواه البخاري و مسلم و مالك و أبو داود و الترمذى.
و استفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذي وقع الأمر فيه بصيام عاشوراء، و هو أول قدومه المدينة، و لا شك أن قدومه- صلى اللّه عليه و سلم- كان فى ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك فى أول السنة الثانية، و فى السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم يوم عاشوراء إلا فى سنة واحدة، ثم فوض الأمر فى صومه إلى رأى المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعى أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة.
و أما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، و لذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، و قد روى عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبا فى الجاهلية، فعظم فى صدورهم، فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك. قاله فى فتح البارى. و عن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، و أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «إن عاشوراء يوم من أيام اللّه فمن شاء صامه» [٢]. رواه البخاري و مسلم و أبو داود، و فى رواية:
و كان عبد اللّه لا يصومه إلا أن يوافق صومه. و عن سلمة بن الأكوع: بعث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- رجلا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن فى الناس:
من كان لم يصم فليصم، و من كان أكل فليتم صيامه إلى الليل [٣]. رواه مسلم. قال النووى: اختلفوا فى حكم صوم عاشوراء فى أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبا.
و اختلف أصحاب الشافعى فيه على وجهين: أشهرهما: عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع، و لم يكن واجبا قط فى هذه الأمة، و لكنه كان متأكد
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٠٢) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، و مسلم (١١٢٥) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤٥٠١) فى تفسير القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ... الآية. و مسلم (١١٢٦) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء. من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (١١٣٥) فى الصيام، باب: من أكل فى عاشوراء فليكف بقية يومه. من حديث سلمة بن الأكوع- رضى اللّه عنه-.