المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢٨ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
ففى هذا: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يصم الدهر كله، و لا قام الليل كله، و كأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة، و إن كان قد أعطى من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام و أفطر، و قام و نام.
الفصل الثانى فى صومه ص عاشوراء
و هو بالمد على المشهور. و اختلف فى تعيينه: فعن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس- و هو متوسد رداءه فى زمزم- فقلت له: أخبرنى عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد و أصبح يوم التاسع صائما، قلت: هكذا كان محمد- صلى اللّه عليه و سلم- يصومه؟ قال: نعم [١]. رواه مسلم.
قال النووى: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه بأن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، و يتأوله على أنه مأخوذ من أظمأ الإبل، فإن العرب تسمى اليوم الخامس من أيام الورد ربعا، و كذا باقى الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشرا. انتهى.
لكن قال ابن المنير: قوله: «إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما» يشعر بأنه أراد العاشر، لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح صائما تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، و هى الليلة العاشرة. انتهى. و ذهب جماهير العلماء من السلف و الخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، و ممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، و الحسن البصرى، و مالك و أحمد و إسحاق، و خلائق. و هذا ظاهر الأحاديث، و مقتضى اللفظ، و أما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس يرد عليه معنى قوله: إن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- صام يوم عاشوراء فقالوا له يا رسول: يوم تعظمه اليهود و النصارى، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «فإذا كان العام المقبل إن شاء اللّه صمنا اليوم
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١١٣٣) فى الصيام، باب: أى يوم يصام فى عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.