المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٢٠ - الفصل الثامن فى وصاله- صلى اللّه عليه و سلم
كثيرا: أضحى فلان كذا، و لا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، و منه قوله تعالى: وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [١] فإن المراد به مطلق الوقت، و لا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، و ليس حمل الطعام و الشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ «أظل» على المجاز و على التنزل فلا يضر شيء من ذلك، لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة و شرابها لا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره الشريف فى طست الذهب، مع أن استعمال أوانى الذهب الدنيوية محرمة.
و قال ابن المنير: الذي يفطر شرعا إنما هو الطعام المعتاد، و أما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، و ليس تعاطيه من جنس الأعمال، و إنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة فى الجنة، و الكرامة لا تبطل العادة.
و قال غيره: لا مانع من حمل الطعام و الشراب على حقيقتهما، و أكله و شربه فى الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال: «إنى لست فى ذلك كهيئتكم»، أى على صفتكم فى أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمنى ربى و يسقينى و لا ينقطع بذلك مواصلتى، فطعامى و شرابى على غير طعامكم و شرابكم صورة و معنى.
و قال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام و الشراب و هو القوة، فكأنه قال: يعطينى قوة الآكل و الشارب، و يفيض على ما يسد مسد الطعام و الشراب، و يقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف فى القوة. أو المعنى: أن اللّه يخلق فيه من الشبع و الرى ما يغنيه عن الطعام و الشراب، و لا يحس بجوع و لا عطش.
و الفرق بينه و بين الأول: أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع و لا رى، بل مع الجوع و الظمأ، و على الثانى: يعطى القوة مع الشبع و الرى.
و رجح الأول بأن الثانى ينافى حال الصائم و يفوت المقصود من الصوم
[١] سورة النحل: ٥٨.