المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤١٣ - الفصل الرابع فيما كان يفعله- صلى اللّه عليه و سلم- و هو صائم
عباس أمثلهما إسنادا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلىّ احتياطا، و القياس مع حديث ابن عباس. و الذي أحفظ عن الصحابة و التابعين و عامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة، انتهى.
و أول بعضهم حديث «أفطر الحاجم و المحجوم» أن المراد به أنهما سيفطران، كقوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [١]، أى ما يؤول إليه.
و لا يخفى بعد هذا التأويل. و قال البغوى فى «شرح السنة» معناه: أى تعرضا للإفطار، أما الحاجم فإنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه، و أما المحجوم فإنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. و قيل: معنى أفطرا: فعلا مكروها و هو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة.
و قال ابن جزم: صح حديث «أفطر الحاجم و المحجوم» بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبى سعيد «أرخص النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى الحجامة للصائم» [٢] و إسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجما أو محجوما. انتهى.
و الحديث المذكور، أخرجه النسائى و ابن خزيمة و الدّارقطني، و رجاله ثقات، و لكن اختلف فى رفعه و وقفه، و له شاهد من حديث أنس عند الدّارقطني و لفظه «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبى طالب احتجم و هو صائم، فمر به رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «أفطر هذان»، ثم أرخص رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بعد فى الحجامة للصائم، و كان أنس يحتجم و هو صائم. و رواته كلهم من رجال البخاري إلا أن فى المتن ما ينكر، لأن فيه أن ذلك كان فى الفتح، و جعفر كان قتل قبل ذلك.
و من أحسن ما ورد فى ذلك، ما رواه عبد الرزاق و أبو داود عن
[١] سورة يوسف: ٣٦.
[٢] رواه البزار و الطبرانى فى الأوسط، و رجال البزار رجال الصحيح، قاله الهيثمى فى «المجمع» (٣/ ١٧٠).