المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٠٨ - الفصل الأول فيما يختص به رمضان من العبادات و تضاعف جوده- صلى اللّه عليه و سلم- فيه
الشهور، و كان جوده- صلى اللّه عليه و سلم- يتضاعف فى شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضا، فإن اللّه تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة.
و فى حديث ابن عباس عند الشيخين، قال: (كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أجود الناس، و أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) [١].
فبمجموع ما ذكر فى هذا الحديث من الوقت و هو شهر رمضان، و المنزل و هو القرآن، و النازل به و هو جبريل، و المذاكرة و هى مدارسة القرآن، حصل له- صلى اللّه عليه و سلم- المزيد فى الجود.
و المرسلة: المطلقة، يعنى أنه فى الإسراع بالجود أسرع من الريح، و عبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده- صلى اللّه عليه و سلم-، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. و وقع عند الإمام أحمد فى آخر هذا الحديث (لا يسأل شيئا إلا أعطاه). و تقدم فى ذكر سخائه- صلى اللّه عليه و سلم- مزيد لذلك.
و قد كان ابتداء نزول القرآن فى شهر رمضان، و كذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، فكان جبريل- عليه الصلاة و السلام- يتعاهده- صلى اللّه عليه و سلم- فى كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفى فيه- صلى اللّه عليه و سلم- عارضه به مرتين [٢]، كما ثبت فى الصحيح عن فاطمة- رضى اللّه عنها-. قال فى فتح البارى: و فى معارضة جبريل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بالقرآن فى شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، و الأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه و رفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة و تفصيلا و عرضا و إحكاما.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦) فى بدء الوحى، باب: بدء الوحى، و مسلم (٢٣٠٨) فى الفضائل، باب: كان النبيّ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة. من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٢٤٥٠) فى فضائل الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبيّ.
من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.