المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٠١ - النوع الثالث فى ذكر سيرته- صلى اللّه عليه و سلم- فى الزكاة
لهم، و لهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، و المخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف، و ذلك بعد البلوغ. و إذا كان أهل المعرفة باللّه المشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع اللّه ملكا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء و الرسل، و أهل التوحيد و المعرفة إنما غرفوا من بحارهم و اقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصا من كتاب «التنوير» للعارف الكبير أبى الفضل بن عطاء اللّه الشاذلى، أذاقنا اللّه حلاوة مشربه.
تنبيه: ما حكى إن الإمام الشافعى و أحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعى، فقال أحمد بن حنبل للشافعى: أريد أن أسأل هذا المشار إليه فى هذا الزمن، فقال الشافعى: لا تفعل، فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسى أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن اللّه، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال:
فخر أحمد مغشيّا عليه، ثم أفاق فقال: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟ فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أو هما مذهبان؟ فقال:
نعم، أما على مذهبكم ففى الأربعين شاة شاة، و أما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئا. فقد نقل شيخنا فى «المقاصد» عن ابن تيمية أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة، لأن الشافعى و أحمد لم يدركا شيبان الراعى و اللّه أعلم. انتهى.
و قد كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا أتاه قوم بصدقة قال: «اللهم صل على آل فلان»، فأتاه أبو أوفى بصدقة فقال: «اللهم صل على آل أبى أوفى» [١]. رواه البخاري و مسلم. و اختلف فى أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان فى السنة الثانية قبل فرض رمضان أشار إليه النووى فى باب السير من الروضة.
و جزم ابن الأثير فى التاريخ بأن ذلك كان فى التاسعة، و فيه نظر: لما
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٤٩٨) فى الزكاة، باب: صلاة الإمام و دعائه لصاحب الصدقة، و مسلم (١٠٧٨) فى الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقة، من حديث عبد اللّه ابن أبى أوفى- رضى اللّه عنه-.