المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩٦ - الفرع الرابع فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- على الغائب
فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد [١]. و حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بالمسجد النبوى من ناحية المشرق، انتهى. فإن ثبت ما قال و إلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين و الاستسقاء، لأنه لم يكن عند المسجد النبوى مكان مهيأ للرجم.
و دل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز فى المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، و استدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز فى المسجد، و يقويه حديث عائشة «ما صلى- صلى اللّه عليه و سلم- على سهيل بن بيضاء إلا فى المسجد» [٢] أخرجه مسلم، و به قال الجمهور. و حمل المانعون الصلاة على سهيل: بأنه كان خارج المسجد، و المصلون داخله، و ذلك جائز اتفاقا.
و فيه نظر: لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلى عليه. و قد سلم لها الصحابة ذلك، فيدل على أنها حفظت ما نسوه.
و قد روى ابن أبى شيبة و غيره أن عمر صلى على أبى بكر فى المسجد، و أن صهيبا صلى على عمر فى المسجد، زاد فى رواية: و وضعت الجنازة فى المسجد تجاه المنبر، و هذا يقتضى الإجماع على جواز ذلك. و قد استدل أيضا بحديث قصة النجاشى على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، و بذلك قال الشافعى و أحمد و جمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. و عن الحنفية و المالكية لا يشرع ذلك. و عن بعض
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٣٢٩) فى الجنائز، باب: الصلاة على الجنائز بالمصلى و المسجد، و مسلم (١٦٩٩) فى الحدود، باب: رجم اليهود و أهل الذمة فى الزنا. من حديث ابن عمر و اللفظ للبخارى.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٩٧٣) فى الجنائز، باب: الصلاة على الجنائز فى المسجد. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.