المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من داء الهم و الكرب بدواء التوجه إلى الرب
توسله بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها، و ما لم يعلموا، و منها ما استأثر به فى علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكا مقربا و لا نبيّا مرسلا، و هذه الوسيلة أعظم الوسائل و أحبها إلى اللّه، و أقربها تحصيلا للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرآن لقلبه ربيعا، أى كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، و أن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، و به يتم معاش العباد و أن يجعله شفاء همه و غمه فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، و يعيد البدن إلى صحته و اعتداله، و أن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع [١] و الأصدية، فإذا صدق العليل فى استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تامّا.
و فى سنن أبى داود، عن أبى سعيد الخدرى قال: دخل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة ما لى أراك فى المسجد فى غير وقت الصلاة» فقال: هموم لزمتنى و ديون يا رسول اللّه، فقال: «أ لا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب اللّه عز و جل همك، و قضى دينك» قال: قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: «قل إذا أصبحت و إذا أمسيت، اللهم إنى أعوذ بك من الهم و الحزن، و أعوذ بك من العجز و الكسل، و أعوذ بك من الجبن و البخل، و أعوذ بك من غلبة الدين و قهر الرجال» قال: ففعلت ذلك فأذهب اللّه همى، و قضى دينى [٢].
و قد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم و الحزن أخوان، و الجبن و البخل أخوان، و العجز و الكسل أخوان و ضلع الدين و غلبة الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.
[١] الطبوع: جمع طبع، و هى السجية التي جبل عليها الإنسان، كما تأتى بمعنى الدنس و الصدأ، و لعلها المقصودة هنا.
[٢] ضعيف: أخرجه أبو داود (١٥٥٥) فى الصلاة، باب: فى الاستعاذة و فى إسناده غسان بن عوف، هو البصرى، قال عنه الحافظ فى «التقريب»: لين الحديث، و لذا ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود».