المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٣ - الفصل الثالث فى ذكر صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- النوافل فى السفر
تنفل للرواتب التي قبل الفرائض و بعدها. و هو مستفاد من قوله فى الرواية الأخرى، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين [١].
قال ابن دقيق العيد: و هذا اللفظ يحتمل أن يريد: لا يزيد على عدد ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفى الإتمام، و المراد به الإخبار عن المداومة على القصر، و يحتمل أن يريد: لا يزيد نفلا، و يمكن أن يريد ما هو أعم من ذلك. و فى رواية مسلم: صحبت ابن عمر فى طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل و أقبلنا معه، حتى جاء رجل فجلس و جلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال:
لو كنت مسبحا لأتممت [٢].
قال النووى: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، و أما النافلة فهى إلى خيرة المصلى، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، و يخير فيها. انتهى. و تعقب: بأن مراد ابن عمر بقول:
«لو كنت مسبحا لأتممت» يعنى أنه لو كان مخيرا بين الإتمام و صلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلى الراتبة و لا يتم.
و فى البخاري، من حديث ابن عمر: كان- صلى اللّه عليه و سلم- يوتر على راحلته [٣]، و بوب عليه «باب الوتر فى السفر»، و أشار به إلى الرد على من قال: «لا يسن الوتر فى السفر»، و هو منقول عن الضحاك، و أما قول ابن عمر: «لو كنت مسبحا فى السفر لأتممت» كما أخرجه مسلم، فإنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر، و ذلك بيّن من سياق الحديث المذكور عند الترمذى من وجه آخر بلفظ «لو كنت مصليا قبلهما أو بعدهما
[١] تقدم.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٦٨٩) فى صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين و قصرها، و الذي صحب عمر هو حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٠٠) فى الجمعة، باب: الوتر فى السفر. من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.