المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٦ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- من داء الهم و الكرب بدواء التوجه إلى الرب
بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوى و السفلى و العرش الذي هو سقف المخلوقات و أعظمها، و الربوبية التامة تستلزم توحيده، و أنه الذي لا تنبغى العبادة و الحب و الخوف و الرجاء و الإجلال و الطاعة إلا له، و عظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، و سلب كل نقص و تمثيل عنه، و حلمه يستلزم كمال رحمته و إحسانه إلى خلقه. فعلم القلب و معرفته بذلك توجب محبته و إجلاله و توحيده، فيحصل له من الابتهاج و اللذة و السرور ما يدفع عنه ألم الكرب و الهم و الغم، و أنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره و يفرحه و يقوى نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسى، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى و أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب و سعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته فى غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، و خرج القلب منه إلى سعة البهجة و السرور. و إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها و باشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال حدثني أبو بكر الرازى قال: كنت بأصبهان عند أبى نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن على قد سعى به إلى السلطان فسجن، فرأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى المنام و جبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قل لأبى بكر بن على يدعو بدعاء الكرب الذي فى صحيح البخاري [١] حتى يفرج اللّه عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلا حتى أخرج.
و فى حديث على عند النسائى و صححه الحاكم: لقننى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- هذه الكلمات و أمرنى إن نزل بى كرب أو شدة أن أقولها: «لا إله إلا اللّه الكريم العظيم، سبحان اللّه تبارك اللّه رب العرش العظيم، و الحمد للّه رب العالمين» و فى لفظ: «الحليم الكريم» فى الأولى، و فى لفظ لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له العليم العلى العظيم، لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له
[١] هو حديث ابن عباس المتقدم قبل قليل.