المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٨ - الفصل الأول فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الكسوف
و فى البخاري: و قالت عائشة و أسماء: خطب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. و قد اختلف فى الخطبة فيه، فاستحبها الشافعى و إسحاق و أكثر أهل الحديث. و قال ابن قدامة لم يبلغنا عن أحمد ذلك. و قال صاحب الهداية من الحنفية ليس فى الكسوف خطبة لأنه لم ينقل. و تعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، و هى ذات كثرة.
و المشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث و فيه ذكر الخطبة، و أجاب بعضهم: بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، و إنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
و تعقب: بما فى الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، و حكاية شرائطها من الحمد و الثناء و الموعظة و غير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، و الأصل مشروعية الاتباع، و الخصائص لا تثبت إلا بدليل، انتهى.
و عن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن الشمس و القمر آيتان من آيات اللّه، لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا و ادعوا اللّه» [١].
و إبراهيم هو ابن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و قد ذكر جمهور أهل السير أنه مات
لنا على عهد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى إذا كانت قيد رمحين أو ثلاثة فى عين الناظر اسودت حتى آضت كأنها تنومة قال: فقال أحدنا لصاحبه انطلق بنا إلى المسجد فو اللّه ليحدثن شأن هذه الشمس رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى أمته حدثا قال: فدفعنا إلى المسجد فإذا هو بارز، قال: و وافقنا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حين خرج إلى الناس فاستقدم فقام بنا كأطول ما قام بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا ثم ركع كأطول ما ركع بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتا ثم فعل فى الركعة الثانية مثل ذلك فوافق تجلى الشمس جلوسه فى الركعة الثانية: قال زهير حسبته قال: فسلّم فحمد اللّه و أثنى عليه ... الحديث.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٤٣) فى الجمعة، باب: الصلاة فى كسوف الشمس، من حديث المغيرة بن شعبة- رضى اللّه عنه-.