المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٣ - الفصل الأول فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الكسوف
و قد استشكل الغزالى هذه الزيادة، و قال: أنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: و لو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة.
و قال ابن بزبزة: و هذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة و يزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كرى الشكل، و ظاهر الشرع يعطى خلاف ذلك و الثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة و فعل الفاعل المختار، فيخلق فى هذين الجرمين النور متى شاء و الظلمة متى شاء من غير توقيف على سبب أو ربط باقتران، و الحديث الذي رده الغزالى قد أثبته غير واحد من أهل العلم، و هو ثابت من حيث المعنى أيضا، لأن النورية و الإضاءة من عالم الجمال الحسى، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، و يؤيده قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [١]، انتهى.
و يؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس و قد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، و قال: هى أخوف للّه منا. و قال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافى قوله: «يخوف اللّه به عباده»، و ليس بشيء، لأن للّه تعالى أفعالا على حسب العادة، و أفعالا خارجة عن ذلك، و قدرته حاكمة على كل سبب، يقتطع ما يشاء من الأسباب و المسببات بعضها عن بعض، و إذا ثبت ذلك فالعلماء باللّه لقوة اعتقادهم فى عموم قدرته على خرق العادة و أنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، و ذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجرى عليها العادة إلى أن يشاء اللّه خرقها. و حاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقّا فى نفس الأمر لا ينافى كون ذلك مخوفا لعباد اللّه تعالى. قاله فى فتح البارى.
و عن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-
[١] سورة الأعراف: ١٤٣.