المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٢ - الفصل الأول فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الكسوف
و فى قوله:- صلى اللّه عليه و سلم- «يخوف اللّه بها عباده» رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادى لا يتأخر و لا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن فى ذلك تخويف.
و قد رد عليهم ابن العربى و غيره، بما فى حديث أبى موسى عند البخاري، حيث قال فيه: «فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة» قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، و لو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق و الصدقة و الصلاة معنى، يعنى كما فى حديث أسماء عند البخاري «لقد أمر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بالعتاقة فى كسوف الشمس» [١] و كما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه و كبروا و صلوا و تصدقوا» [٢] فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، و أن كلما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يندفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف.
و مما نقض به ابن العربى و غيره أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة و إنما يحول القمر بينها و بين أهل الأرض عند اجتماعهما فى العقدتين. فقال: «هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر فى الجرم فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما و هو من جنسه؟ و كيف تحجب الأرض نور الشمس.
و قد وقع فى حديث النعمان بن بشير و غيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، و هو ما أخرجه أحمد و النسائى و ابن ماجه، و صححه ابن خزيمة و الحاكم، بلفظ: «إن الشمس و القمر لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته، و لكنهما آيتان من آيات اللّه، و إن اللّه إذا تجلى بشيء من خلقه خشع له» [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٥٤) فى الجمعة، باب: من أحب العتاقة فى كسوف الشمس، من حديث أسماء- رضى اللّه عنها-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٤٤) فى الجمعة، باب: الصدقة فى الكسوف. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٦٣) فى الجمعة، باب: الصلاة فى كسوف القمر، من حديث أبى بكرة- رضى اللّه عنه-، و مسلم (٩٠١) فى الكسوف، باب: صلاة الكسوف، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و ليس فيها و أن اللّه إذا تجلى لشىء من خلقه خشع له.