المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٩ - الباب الثالث فى ذكر تهجده- صلوات اللّه و سلامه عليه
خصوصا إذا كبر، فيقول: قد ضعفت و كبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، و هذا و إن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع بالكلية، و ما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره.
نعم كان يصلى بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه، فكيف بمن أثقلت ظهره الذنوب و الأوزار، و لا يأمن عذاب النار، أن يغافل حال شيبته، و يتوانى عند ظهور شيبه فينبغى للإنسان أن يستعد قبل حلول مشيبه. «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك» [١] فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، و قد قال تعالى منذرا لمن يدخل فى الصباح: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [٢] فكيف بقرب من دخل فى الصباح، و ظهر كوكب نهاره فى أفق رأسه و لاح؟!
قال القرطبى: ظن من سأله- صلى اللّه عليه و سلم- عن سبب تحمله المشقة فى العبادة أنه إنما يعبد اللّه خوفا من الذنوب، و طلبا للمغفرة و الرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة، و هو الشكر على المغفرة، و إيصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، و الشكر: الاعتراف بالنعمة و القيام بالخدمة، فمن كثر ذلك سمى شكورا، و من ثم قال اللّه تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [٣].
و فيه: ما كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عليه من الاجتهاد فى العبادة و الخشية من ربه عز و جل، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة اللّه عليهم، و أنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم فى عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق اللّه أعظم من أن يقوم بها العباد، و اللّه أعلم، انتهى.
[١] صحيح: أخرجه الحاكم فى المستدرك، و البيهقي فى «شعب الإيمان» عن ابن عباس، و أحمد فى الزهد، و أبو نعيم فى الحلية، و البيهقي فى «شعب الإيمان» عن عمرو بن ميمون مرسلا، كما فى «صحيح الجامع» (١٠٧٧).
[٢] سورة هود: ٨١.
[٣] سورة سبأ: ١٣.